ترحيل عائلات الفدائيين: إسرائيل تفعّل «العقاب بالمكان»

منذ عام 2015، وصولاً إلى عام الحرب الحالي، نفّذ فلسطينيون من القدس والأراضي المحتلة عام 1948، عمليات إطلاق نار ودهس وطعن ضد أهداف ورموز إسرائيلية. وفي كل مرّة، كانت تعمد الآلة الأمنية - الدعائية إلى تصوير المنفذ «مجنوناً» أو «مختلاً» أو على أنه «يعاني مرضاً ما» أو باعتباره ذا خلفية جنائية، بما يهدف إلى سلخ المنفذ عن بيئته وامتداده الفلسطيني، وتصوير فعله على أنه خارج عن هذه الأخيرة وغير ممثل لها. ومن أجل ما تقدم، تستعين تلك الآلة برموز مجتمعية وشخصيات سياسية «قيادية»، توكل إليها مهمة تغريب المنفذ عن المكان الذي يجب على المواطنين، عرباً ويهوداً، «التعايش فيه»، ويُحظر على الفلسطيني فيه التعبير عن علاقته بامتداده الفلسطيني والعربي عبر الفعل المقاوم.
وعلى هذا الأساس، مارست آلة القتل والقمع الإسرائيلية، في كلّ حالة من تلك الحالات، الكثير من الأفعال القمعية والملاحقات بحق العائلة النواة للمنفذ، ليكون مصير عائلته والقهر الذي سيلاحقها من بعد استشهاده أو اعتقاله درساً ماثلاً أمام كل من يفكر في اللجوء إلى فعل مقاوم. كما حاولت السلطة التشريعية رفد ذلك القمع بآليات قانونية، بينها قوانين وتشريعات لاحتجاز جثامين الشهداء، أو هدم بيوت عائلاتهم. لكن ما تقدم لم يكفِ ليشكل رادعاً للعمليات؛ إذ منذ بدء الحرب الحالية، نفّذ عدد من فلسطينيي الداخل عمليات فدائية، كانت آخرها ثلاث في شهر واحد في النقب، والخضيرة، وقرب القاعدة التي تضم عدداً من وكالات الاستخبارات الإسرائيلية في «غليلوت». واللافت أن أولئك الفدائيين لم يكونوا ذوي سجلات أمنيّة، أو معروفين لأجهزة الأمن، كما لم يتشاركوا في رابط معيّن كالعمرِ، أو المنطقة، أو الخلفية الاجتماعية أو الاقتصادية أو التعليمية - المهنية، بل كان القاسم المشترك بينهم هو أنهم فلسطينيون رفضوا الإبادة التي تمعن فيها آلة الحرب الإسرائيلية ضد أبناء شعبهم في غزة، واختاروا رد الفعل الذي ظنّوه الأكثر قدرة على ترك الأثر.
ومن أجل ما تقدم، وبالتحديد لأن الأجهزة الأمنية تعرف إلى أي مدى في إمكان العائلة أن تترك أثراً على فردها، وإلى أي مدى قد تؤثر الروابط العائلية والعاطفية بين الأهل وأبنائهم على قراراتهم وأفعالهم، اختارت المؤسسة الإسرائيلية اللجوء إلى العقاب الذي يستهدف هذه الحلقة بالتحديد، مستهدفةً أيضاً علاقتها مع المكان الذي تعيش فيه، لأنها تعرف أن تلك العلاقة هي نقطة ضعف للعائلة التي تتحكم «الدولة» عملياً في مصيرها؛ فلا يكفي هدم البيت لأنه في حالات كثيرة تمكّنت العائلة من تدبّر أمر مسكنها، إمّا عبر إعادة بنائه من جديد أو البحث عن بديل بمساعدة مبادرات اجتماعية ووطنية. ولذلك، لجأت الآن إلى تفصيل قانون جوهره «العقاب بالمكان»، إذ في إمكان السلطات الإسرائيلية ترحيل عائلة منفذ أو فرد فيها يثبت أنه كان على علمٍ بفعل المنفذ ولم يُبلغ السلطات عنه، ولم يقم بفعل شيء من أجل ردعه، أو ثبت أنه قد عبّر عن تأييده للفعل ذاته.
وفي هذا السياق، صدّق الكنيست، بتأييد 61 عضواً ومعارضة 41 آخرين، بالقراءتين الثانية والثالثة، على مشروع قانون «ترحيل عائلات منفذي العمليات ضد أهداف إسرائيلية» إلى غزة أو إلى مكانٍ يُحدد وفقاً للمجريات. وكان قد قدّم المشروعَ عضو الكنيست من «الليكود»، حانوخ ميليفتسكي، وأعضاء آخرون من حزب «عوتسماه يهوديت»، الذي يقوده وزير الأمن المتطرف، إيتمار بن غفير. وهو صيغ بناء على مداولات «سرية» انعقدت في الكنيست أخيراً، بمشاركة مندوبين من جهاز الأمن الإسرائيلي العام («الشاباك»)، خلص فيها الأخيرون إلى أن «إبعاد والد ووالدة منفذ عملية مسلحة عن البلاد، يمثل أداة ردع ناجحة».
وطبقاً للقانون، يمكن لوزير الداخلية أن يأمر بطرد فرد من أفراد عائلة منفذ عملية ما، إذا كان قد «علم مسبقاً بخطته لتنفيذ عمل إرهابي، أو عبّر عن تماثل مع العمل الإرهابي، أو عبّر عن إشادته له أو إعجابه به، أو أبدى تشجيعاً للعمل الإرهابي». وبحسب النص أيضاً، فإن الإبعاد يكون إلى خارج إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967 لمدّة سبع سنوات إذا كان المنفذ مواطناً في إسرائيل، ولعشر سنوات إذا ما كان من سكان الأراضي المحتلة عام 1967، ومن ضمنها القدس.
وانطلقت صياغة القانون «من نتائج أبحاث أعدّها مجلس الأمن القومي والجيش الإسرائيليان على مر السنين حول عشرات (المقاومين)، تبيّن بحسبها أن التخوّف الوحيد لدى المنفذين سيكون مصير أفراد عائلاتهم بعد العملية». وبالنتيجة، وفقاً لحيثيات القانون، فإن «المنفذين سيمتنعون عن تنفيذ العمليات إذا ما علموا أن أفراد عائلاتهم سيعاقبون بسبب أفعالهم، خصوصاً أن جهاز القضاء يوافق على أن هدم بيت المنفذ هو وسيلة قانونية. ولكن هذا ليس كافياً ولا يشكل رادعاً. ولا شك في أنه بطرد أفراد العائلة، ستكتمل عوامل الردع».
